السيد الطباطبائي
201
تفسير الميزان
المرجو أن تتجدد له النعمة بعد النقمة وإلا فهو الهلاك والفناء وإن الله لغنى عن العالمين ، وقد تقدم هذا البحث في بعض اجزاء الكتاب السابقة . قوله تعالى : ( فقال الملاء الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا ) إلى آخر الآية ، الفاء في صدر الآية لتفريع جوابهم عن قول نوح عليه السلام ، وفيه إشارة إلى انهم بادروه بالرد والانكار من دون ان يفكروا في أنفسهم فيختاروا ما هو أصلح لهم . والمجيبون هم الملا من قومه والاشراف والكبراء الذين كفروا به ولم يتعرضوا في جوابهم لما ألقى إليهم من حجة التوحيد بل إنما اشتغلوا بنفي رسالته والاستكبار عن طاعته فإن قوله : ( إني لكم نذير مبين ) إلى آخر الآيتين ، كان مشتملا على دعوى الرسالة وملوحا إلى وجوب الاتباع وقد صرح به فيما حكى عنه في موضع آخر ، قال تعالى : ( قال يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ) نوح : 3 . ومحصل ما نقله الله تعالى من جوابهم هو أنه لا دليل على لزوم اتباعك بل الدليل على خلافه فهو في الحقيقة حجتان منظومتان على طريق الاضراب والترقي ولذلك أخر قولهم : ( بل نظنكم كاذبين ) . والحجة الأولى التي مدلوها عدم الدليل على وجوب اتباعه مبينة بطرق ثلاث هي قوله : ( ما نراك إلا بشرا ) الخ ، وقوله : ( وما نراك اتبعك ) الخ ، وقوله : ( وما نرى لكم علينا ) . الخ . والحجة بجميع أجزائها مبنية على إنكار ما وراء الحس كما سنبين ولذلك كرروا فيه قولهم : ما نراك وما نرى . فقوله : ( ما نراك إلا بشرا مثلنا ) أول جوابهم عما يدعيه نوح عليه السلام من الرسالة ، وقد تمسكوا فيه بالمماثلة كما هو دأب سائر الأمم مع أنبيائهم على ما حكاه الله تعالى في كتابه وتقريره : أنك مثلنا في البشرية ولو كنت رسولا إلينا من عند الله لم تكن كذلك ولا نشاهد منك إلا أنك بشر مثلنا ، وإذ كنت بشرا مثلنا لم يكن هناك موجب لاتباعك .